الدخيل.. ما له وما عليه

إعداد: عهد صليبي

 

“دَخَل الدخيل وسلم”

 

جملة تُردد بكثرة في مناطق الجزيرة السورية في سنوات قبل العشرة الأخيرة.. وحتى يومنا هذا (مع قلتها بشكل كبير لعدم إمكانية الناس من حماية بعضهم).

وتقال عندما يلوذ شخصًا هاربًا من أناس يريدون إيذاءه… يقولها من لاذ الهارب عندهم، وتحمي الهارب من خصمه، ولها تبعات أُخرى.

هنا في هذا المقال يذكر أصل الجملة وبأي تاريخ قيلت مع بعض الشهود والتوصيفات الأُخرى.. ولك حرية التصحيح في حال كان هناك خطأ بمحتوى المقال.. و حدثنا أنت عن أحداث تعرفها، بشرط ألا تكون تسيئ لأي إنسان أو جماعة.

مصدر المقال صحيفة الرياض – عام 2007

 

الدخالة أو الدخل:

الدخالة أو الدخل أو الدخلة: هي اللجوء والاستجارة والدخيل هو المستجير وكانت العرب تفتخر بحماية المستجير ويعتبرون ذلك من القيم والمكارم بل أن عدم الوفاء بذلك من الخزي والعار حتى أنهم إذا غدر رجل بجاره أو من لجأ إليه أوقدوا النار في أيام الحج على أحد الأخشبين ثم صاحوا هذه غدرة فلان ليحذره الناس(1). ولقد جاء عند ابن هشام في السيرة أن الرسول استجار بالمطعم بن عدي فأجاره وحماه. أعلن النبي صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة قواعد محددة للاستجارة والحماية حيث وضح أن من دخل بيت أبى سفيان فهو آمن ومن دخل داره فهو آمن ومن دخل تحت لواء ابن رويحة فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن هذه القواعد نجد عمل بادية الجزيرة العربية في هذا الشأن في العصور المتأخرة فمن يدخل بيت الشيخ فهو آمن ومن استجار بأي بيت فهو آمن أيضاً:

يقول دعث بن شايش:

زبن الدخيل اللي من الحق مقطوع

ضياغم نثر الدما في محاسه

فمعنى الدخيل في اللغة من دخل في قوم وانتسب إليهم وليس منهم ولكنه عند البادية بمعنى المستجير أو طالب الحماية بأي طريقة أو زمان أو مكان أو صيغة ومهما كانت الدوافع والأسباب(2).

يقولون (زبن فلان على فلان) أي دخل في حمايته ومن القصص المشهورة عند البادية في الجزيرة العربية ما تسمى (زبنة الحثربي) وقد جرت سنة 1194ه /1780م حيث لجأ ماجد الحثربي دخيلاً على الشيخ دغيم السويط شيخ قبيلة الظفير وكان الحثربي قد قام بقتل رجل اعتدى على جاره فقبله رغم أن هناك معاهدة بين القبائل المتجاورة في ذلك الحين على تسليم كل جان إلى قبيلته ومما قال الحثربي في مدح السويط:

ماظلني غير السويطات ظايل

دغيم ثنى بالسيف دوني وسله

سويطات ماهم من هزال الحمايل

من ماكر يفرس من الصيد جله

سويطات يعطون المهار الاصايل

بالمعرقة وعنانها يتبعن له

واخو دغيما القرم ماضي الفعايل

دخيلهم مايمشي الحق لله(3)

بل أن من زعماء القبائل من قبل دخالة من تطلبه الحكومة كما حدث لشلاش العر الذي قتل أحد الضباط الأتراك ثم لجأ للشيخ محمد بن سمير أحد شيوخ قبيلة عنزة وذلك عام 1299ه وتعرض الشيخ في سبيل ذلك للسجن ثم رهن أخيه للسلطة والتهديد بالإعدام إن لم يسلم الشخص المطلوب ولكنه رغم ذلك لم يسلم دخيله وافتداه بأربعمائة ناقة وثمانمائة شاة وقال في ذلك:

ياشلاش مانعطيك حمر الطرابيش

لوجمعوا كل العساكر علينا

دونك نسوق المال والخيل والجيش

وان لزموا ياشلاش نرهن حدينا

اخوان عذرا مابهم ماكر كديش

وعمارنا ياشلاش ترخص علينا(4)

وتهدف الدخالة إلى إزالة حدة التوتر بين سكان البادية وإلى إعادة سيطرة العوايد البدوية وتطبيقها لحل الخلافات والمنازعات الفردية والجماعية كما أنها تهدف إلى إعادة توازن المجتمع عن طريق إرغام الخصم القوي على اتباع الأعراف والتقاليد كما يفعل الخصم الضعيف سواء بسواء أي أنها ترمي إلى إحقاق العدالة بين أفراد البادية وعشائرها بغض النظر عن مدى قوة كل طرف(5)

وقد يكون الدخل أو الدخالة أو الزبانة قولاً أو فعلا كأن يقول أنا دخيلك أو داخل على الله ثم عليك بل أنه قد يدخل مستجيراً على محل النساء والأطفال إذا كانت القضية خطيرة مما يثير النخوة والحمية لمساعدته وهناك من يأخذ عقال من يختاره مجيراً له من فوق رأسه ويضعه في رقبته ويقول “حنا دخلاك من كذا” أو “حنا في وجهك”(6)، وفي العادة يرد الشخص المقصود بعبارات مبشرة بالحماية وطيب الإقامة(7).

والدخالة تعتبر طلباً ضرورياً للحماية فعندما يرتكب البدوي جريمة ما ويخشى من اعتداء عشيرة المعتدى عليه فانه يدخل بوجه شيخ أو عشيرة معروفة من أجل الحيلولة دون الاعتداء عليه أو على أقاربه وممتلكاتهم حتى يتمكن الجميع من التعاون في إنهاء القضية وكذلك يلجأ البدوي للدخالة عندما يجري اتهامه بارتكاب جريمة ما وينكر ارتكابها فإنه يخشى الاعتداء عليه وعلى أقاربه وأموالهم ولذلك يلجأ إلى طلب الحماية بأن يدخل بوجه أحد الشيوخ إلى أن يبت بأمر الاتهام سواء كانت النتيجة البراءة أم الإدانة مثل قصة (برجس بن عيدة) الذي اتهم في قضية قتل وهو بريء منها فدخل هو وأبناء عمومته (خمسته) في وجه أحد الرجال الأوفياء من عشيرة أخرى تنتمي لنفس القبيلة حتى ثبتت براءته بعد ذلك(7)؛ وقد تكون الدخالة ليس لهدف طلب الحماية وإنما لهدف طلب الحق سواء كانت القضية حقوقية أو جزائية أو غير ذلك ويلجأ إلى استعمال هذه الدخالة غالباً من يكون مركزه ضعيفاً تجاه الطرف الآخر(8) وفي القضايا المالية قد تكون الدخالة مدفوعة القيمة كما تدل عليه الوثائق(9).

والغريب أن الدخالة قد تجري دون حاجة إلى موافقة المدخول عليه فلا يستطيع رد الدخالة سواء كان حاضراً أم غائباً لأن الدخالة كما يقول البدو (بلوى) أي أنها مصيبة لابد من قبولها ولذلك يدعون الله أن يعين المقصود على بلواه وذلك تطبيقاً للقاعدة (الدخل إلزام) (10) بل أن البدوي يمكن له أن يدخل على أي طفل أو امرأة من عائلة الرجل الذي يريد أن (يدخل بوجهه) فيعتبر دخيلاً على ذلك الرجل(11)؛ وهذا مايذكرنا بفعل (فكيهة بنت قتادة) حين أجارت (السليك بن السلكة) فقال:

لعمر أبيك والأنباء تنمى

لنعم الجار أخت بني عوارا(12)

وهناك من يدخل على الأموات فقد يلجأ بعض البدو إلى قبور بعض الشيوخ أو الفرسان فيمنعون أنفسهم من اعتداء الآخرين حيث إن البدو يقدرون الأموات كما يقدرونهم أحياء فكأن من لجأ إلى قبره ميتاً قد دخل عليه وهو حي ولأهل صاحب القبر المطالبة بحقوق الدخيل على ميتهم وهذا وإن كان نادراً إلا أنه سبق حدوثه

وقد مر بنا في تاريخ العرب أن الشاعر الفرزدق كان يجير من استجار بقبر أبيه غالب بن صعصعة يدل على ذلك قوله:

عجوز تصلي الخمس عاذت بغالب

فلا والذي عاذت به لا أضيرها

بل إن من العرب من يجير الحيوان أو الطير حين يلجأ إلى بيته فيمنع الآخرين من الاعتداء عليه ويعمل على حمايته على طريقة (دخل الدخيل وسلم) كما حدث للشاعر محمد العوني وهو في الكويت سنة 1317ه عندما دخل بيته أحد الخرفان هارباً من الجزار الذي أراد ذبحه فسلم لصاحبه قيمته وتركه عنده لأنه اعتبره دخيلاً عليه مستجيرا به تجب حمايته حتى وإن كان حيواناً بل أنه أودعه عند أحد البدو واخذ عليه عهدا بأن لا يمسه بسوء حتى توافيه منيته(13). كما أن ابن عريعر حير بيض الحبارى بمعنى أنه أجارها في أراضيه ومنع الاعتداء عليها وكان كليب وائل يجير الطير بل إن هناك من العرب من أجار الجراد ولابد أن الإنسان يتذكر بيت الشعر المشهور للعربي الذي أجار ضبعاً فكان جزاؤه أن بقر بطنه ثم أكله حيث قال:

ومن يصنع المعروف في غير أهله

يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر

 

 

 

 

 

المصادر :
(1) الألوسي؛ الأرب في معرفة أحوال العرب 3أجزاء. بيروت. دار الكتب العلمية. د.ت. ج2/ص

162(2) العبادي. مصدر سابق ص

262(3) مجلة المختلف. الكويت. العدد 160نوفمبر 2004/ملف وسم ص

4(4) المارك.مصدر سابق ج33/2-

43(5) أبو حسان. مصدر سابق

140(6) البليهد.مصدر سابق ج

121/2(7) أبو حسان. مصدر سابق

141(8) البليهد.مصدر سابق ج

276/5(9) أبو حسان. مصدر سابق

144(10) الحربي. مصدر سابق ج

354/1(11) أبو حسان.مصدر سابق

151(12) أبو حسان.مصدر سابق

140(13) الألوسي.مصدر سابق ج

شاهد أيضاً

“لحّاسة” العيون بدير الزور

كانت تجلس في الساحة مقابل دكاكين فندق أمل وتبيع البهارات بمختلف أنواعها، وإلى جانب عملها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *