دير الزور.. لمعة في تاريخها ((مقال عن مدينة دير الزور قبل نحو 114 سنة ))

بقلم الأديب عبد الكريم نوري أستاذ اللغة الفرنسية سابقاً بلواء دير الزور.. تحرير و تدقيق عبد العزيز الأحمد بك
إن دير الزور ( بفتح الزاي مصدر زار يزور زيارة و زوراً ) بلدة موقعها على شاطئ نهر الفرات العظيم في الجانب الجنوبي منه يحدها جنوبا بر الشام و شمالاً ديار بكر و ماردين و شرقاً الموصل و بغداد و غرباً حلب
ومن البين أن هذه البلدة عريقة في القدم ويستدل على ذلك مما يظهر وفي أنحائها من العاديات و الآثار القديمة العهد و التاريخ . فقد كانت أول أمرها ديراً للنساك انقطعوا إلى عبادة الله تحت قيادة رئيس لهم يدعى سرجيوس و ذلك في عهد القياصرة الرومانيين و لكثرة ما أحرزه ذلك الدير من الشهرة الطائلة أخذت الناس من كل حدب و صوب تتهافت على زيارته أفواجاً فغلب اسم الزور عليه و نعتت البلدة به من باب تسمية الكل باسم جزئه . و قد عُرفت هذه البلد قديماً بغير هذا الاسم كدير الشعَّار و دير العصافير و غيرها مما هو محفوظ عند أهل الشام و العراق إلى يومنا هذا
نظرة في تاريخها
ولما تولى عمر بن الخطاب أمر الخلافة الإسلامية بعث خالد بن الوليد بعدد من المقاتلين إلى بلاد سورية وما بين النهرين ليفتتحها فسار خالد بمن معه و توغل في البلاد السورية فافتتحها عنوة وبعد فراغه من افتتاح حلب و الاستيلاء على حصنها المنيع في عهد صاحبها يوحنا سار يريد بلاد ما بين النهرين فمر في مسيره بدير الزور فاستولى عليها و أهلها يومئذ على دين النصرانية و اليهودية أما دير النسّاك فخرب و أقيم مكانه مصلى ويعرف في يومنا هذا بالجامع العمري ثم شخص منها خالد غازيا إلى بلاد ما بين النهرين
و أخذ المسلمون منذ ذلك العهد يتواردون اليها زُرافاتٍ من العراق و غيرها من الأمصار السحيقة لحسن موقعها الجامع بين جودة الهواء و غزارة المياه ولا سيما أولي الأملاك و المواشي منهم ابتغاء لكثرة اريافها وانتجاعا لمراعي ابلهم منها . أما المسيحيون فتصدع شملهم شيئا فشيئا و منهم من دان بالاسلام
و كان يتولى تدبير القوم الشيوخ منهم تارة و مشايخ القبائل الراحلة مثل الموالي و العقيدات و غيرهم من الغزاة المنتشرين في بقاعها فيستوفون منهم الجزية دون قاعدة راهنة و مكثوا على تلك الحال إلى السنة ١٢٨٠ هجرية حيث قدم البلدة من الأستانة السردار أكرم عمر باشا شاخصاً منها إلى بغداد حيث أقيم عليها واليا . فلما رأى أهلها وما هم عليه من الأحوال لا ينتظم لهم أمر بالحكم أقام عليهم ضابطا مع نفر من الجند ليقوموا بأمر تدبيرهم و تركهم و نحا نحو بغداد و أعلم بما كان ولاية حلب التي كان متقلدا زمام رعايتها يوم ذاك ثريا باشا . فلما كانت سنة ١٢٨١ اقبل ثريا باشا وفي صحبته قائم مقام عسكرية حلب عمر باشا وعدد غير يسير من العسكر فوكل ادارة شؤونهم إلى عمر باشا ريثما يتسنى له تعيين قائم مقام عليهم وانكفأ عائدا الى حلب أما عمر باشا هذا فقد ابدى في وكالته من الهمة والشدة الحزم والعزم ما خلد له ذكرا في قلوب الأهلين طرَّ ا و يعرف عندهم بأبي منقور سمي بذلك لنقرة كانت في أنفه . ولكن لم يطل عهد وكاله ستة اشهر حتی تعین خلیل بك قائم مقام على الزور للمرة الأولى وذلك سنة ۱۲۸۲ ولم تكد تستقر له قدم في الزور حتى أخذ يصرف أقصى ما يجد اليه السبيل من الجد والجهد فيما يُنهض القضاء ويعزز شأنه فكان أول ما هم به وعول عليه انشاء دار للحكومة السنية للمرة الأولى في موقعها الحالي وتشييد ثكنة ومستشفى للعساكر الشاهانية ولم يمض على حكمه حول عن تعين بمكانه سنة ۱۲۸۳ أحمد حلمي أفندي فقام هذا بمهمته زهاء ستة اشهر بما به من النشاط والمئة وفي منتصف السنة نفسها وليه في القضاء عثمان أفندي فبعد أن ساسه نحوا من سنتين أحيل القضاء إلى لواء فأقيم عليه متصرفا لاول دفعة علي باشا سنة ۱٢٨٥ فقضى هذا نحبه في الزور لستة أشهر مضت من متصرفيته وعقبه في الحكم من السنة عينها ارسلان باشا فجاء هذا وجعل يسعى جهده في تنظيم شؤون اللواء وتوثيق الأهلين بعرى الطاعة للدولة العلية بهمة و اقدام لا يعرفان الكلل حتى اذا اجتمع له ما أراد من أمره سار يرید من حوله من القبائل الراحلة من مثل الجبور والعقيدات وشمر و عنزة والموالي و غيرهم من الغزاة المنتشرين في ربوع الزور …. فأخضعهم – تم الاختصار …. فعاد منهم بغنائم وافرة واستولى بعد ذلك على كثير من القرى والضواحي المطيفة بالزور وجعل العشارة و الرقة منهما مركزي قائمقامية والحقهما باللواء ثم وافته منيته لسنتين من حكمه واخذت النصارى في عهده تتسرب إلى الزور
ثم خلف هذا عمر باشا سنة ۱۲۸۷ لم يكن اقل من سالفه غيرة واقداما فانه لما رأی أن قد استتبت الراحة وقر الأمن في نصابه اخذ بصرف النظر إلى ما من شأنه ان يرقي اللواء في مراقي النجاح والفلاح فكان مما فکر فيه و عزم عليه إنشاؤه مكتبا رشدياً لتهذیب احداث الوطن وتخريجهم في المعارف والآداب ثم اقامته مستشفی وثكنة للعساكر الشاهانية ومنتزهاً عمومياً الى غير ذلك مما لا يزال إلى يومنا هذا بثني على الهمة العمرية ما بقي له معلم على وجه الغبراء ولم يحدث شيء من التغيير مع تقادم عهده سوى المكتب الرشدي فانه في الحول المتخرّم جدد بناؤه على طرز بديع الهندسة واسع الأرجاء بهمة سعادة متصرفنا الحالي الأفخم
ثم تولى الحكم بعد هذا قاسم باشا عام ۱٢٩١ وتخلى عن منصبه لنحو سنتين من حکمه فعقبه في المصرفية حسين باشا الحلبي سنة ۱٢٩٣ بعد أن ساس اللواء نحوا من سنة او تزيد أعرب فيها عن غيرة واقدام تولى الحكم من بعده علي باشا الشريف زهاء ثلاث سنين وقد كان لواء الزور فيا مضی تابعا لولاية حلب فلما عهد امره الى حسن باشا الفريق سنة ۱۲۹۷ انفصل اللواء المذكور بنفسه واخذ يرجع في الأمور إلى الاستانة العلية توّا وجُعل في حكم الالوية المستقلة وهو لا يزال كذلك إلى يومنا هذا
ثم أقيم خلفا لحسن باشا هذا محمد رشيد باشا سنة ۱۲۹۹ و عقب مرور سنة من حكمه قام بأمر اللواء محمد رشيد باشا سنة ۱۳۰۰ ولم يكد يتم السنة حتى وليه في المتصرفية يوسف طالع باشا سنة ۱۳۰۱ ثم عقب هذا الاخير ابراهيم باشا لستة اشهر مضت من متصرفيته فجاء هذا وجعل يفرغ كنانة جهده في نشر العلوم وتوسيع نطاقها في اللواء علما منه بانها باعث عظيم على عمران اللواء وارتقاء اهاليه في سلّم الحضارة والتمدن ولذلك عمد إلى تشييد مكتبين صناعي وانائي واحدث في غير ذلك من المكاتب الانشاءات الخطيرة تعميما لفائدة العموم وكان فيما قبل كلفا بالعلوم مولعا بحفظها ولكن لم يطل عهد حكمه سوى سنتين فلما كان عام ۱۳۰۳ خلفه في المتصرفية أحمد توفيق باشا فساس هذا اللواء زهاء خمس سنين بحكمة واقدام وفي عهده جری سيل نهر الفرات العظيم فطغى وبقى حتی غدا النهر بقسميه الصغير والكبیر نهرا واحدا على ما بينها من بعد الشُقَّة فكان يخال للناظر اليه بحرا عرمرماً واحتمل من الخيام والبيوت شيئا كثيرا وذهب عدد غير يسير من الناس فريسة له . هذا فضلا عما نالته به الأهلون من المضار بسبب هلاك الزرع وفيما أتلف وأخرب دار الحكومة السنية والجسر المقام على القسم الأصغر من نهر الفرات فابتدر سعادة التصرف المشار اليه تجديدهما بهمة واقدام لا يشوبها ملل فما كانت الا بضعة أشهر حتى جاءا على أحسن ما يرام من جودة الهندسة والمتانة ويعرف ذلك الفيض عند الأهلين بالطامّة ثم تولى الحكم بعد هذا حافظ باشا سنة ۱۳۰۷ وسعى ايام متصرفيته في تمديد السلك البرقي من حلب الشهباء إلى اللواء تيسيرا للمراسلات الرسمية والشؤون التجارية فصدرت الإرادة السنية آذنة بذلك وتم امتداده في عهد خلفه عطوفة صالح باشا الذي خلفه في المتصرفية لستة أشهر خلت من حكمه لمكان تسميته واليا للبصرة وكان هذا الأخير مشهودا بحسن الرأي والتدبير يحسن السياسة في الرعية ولما عين لأن يكون واليا للموصل عهد أمرة ادارة اللواء الى مصطفی رفقي باشا سنة ۱۳١١ ولكن لم يطل عهد حكمه سنة حتى قام بامر اللواء من بعده عطوفة اسماعیل زهدي بك . وكان هذا وزيرا هماما وحاكما مقداما قُصاری بغيته انتشار العلوم والمعارف يؤثر العناء والنصب على الراحة والدعة ارادة تحسين شوون اللواء وتقدمه ما استطاع إلى ذلك سبيلا ولم يكن له أحد ممن مضى قبل من الحكام حكمة وذكاء وسعة مدارك واقترح انشاءات جلية تذكر فتشكر منها المستشفى الحميدي البلدي البديع الهندام فقد مضى على تشييده نحو من ثماني سنين وهو يودي خدمة جلية للوطن ومنها الجامع الحميدي القريب في هندسته ثم انشاؤه في النواحي والقرى التابعة للواء من المكاتب الإبتدانية ما ينيف على العشرين عدا إلى غير ذلك مما لايسعنا حصره مما خلد له ذكرا معطرا بالثناء الجميل
ولما كانت سنة ۱۳۱٥ تولى امر اللواء احمد شكري باشا وعقب ان ساسة نحوا من ثلاث سنين وافاه حمامه فيه فنصب بمكانه عطوفة أحمد رشيد باشا متصرفنا الحالي الأفخم لا زالت أيام حكمه مقرونة بنواصي التوفيق والاقبال . وكان لوفوده الكريم في ظل الحضرة العلية السلطانية أحسن وقع في نفوس الأهلين لما عهد به من الحكمة وسداد الراي و علو الهمة وقد حقق اماني الرعية بما يريها في كل آن من الأعمال الخطيرة وما يبذله من السعي والجد في جنب مصلحتها وتقدم اللواء في معارج الفلاح و له من المآثر الغراء ما من شأنها أن تخلد له في بطون الأوراق ذكرا مقلداً بقلائد الشكر من ذلك استئنافه بناء المكتب الرشدي على نمط لم يسبق له مثال من الهندسة ودقة النظام كما سبقت الإشارة إلى ذلك ثم تشييده دارا للمتصرفية جاء على احسن منوال من حسن الموقع وزخرف البناء هذا فضلا عما ينفقه من السعي والاقدام في انجاز بناء الجسر المقام على القسم الأعظم من نهر الفرات إلى غير ذلك مما يبذله من النفس والنفيس في سبيل عمران اللواء وتوفير اسباب رفاهته مظهرا للعدل والنزاهة طبقا لرغائب صاحب السلطنة العظمى
وصفها (( أي دير الزور ))
هذا وما لا مغالاة فيه ان موقع دير الزور من أحسن المواقع وقلما شوهدت بلدة فازت من محاسن الطبيعة بمثل ما فازته الزور من نهر عظيم قد اعترض امامها في الجهة الشمالية منها فأشرفت عليه ومن أمامه البساتين الغناء والرياض الفيحاء هي أشبه شيء بتاج سندسي قد كلله ذلك النهر ومن سهول رحبة ووديان خضرة نضرة قد انبسطت في الجهة الجنوبية منها كانها بسط من الزمرد فقام من ورائها الجبل المعروف عندنا بالجبل الأسود على مثال سور يقيها هجمات العدو إلى غير ذلك من المناظر الشائقة والمشاهد الرائعة التي من شأنها أن تستلفت برونقها الأبصار وتأخذ محاسنها بالانظار ثم ان للزور كما لغيرها من البلاد المتوغلة في القدم بلدتين قديمة وحديثة ، اما القديمة فواقعة إلى شمال الحديثة وهي تخال لناظرها عن بعد کركام خرابات تعلو بعضها فوق بعض على شكل درج . فأزقة هذه وشوارعها هي بمكان من الحرج والضيق ويكاد السائر يضل فيها لمكان ازدحامها واعوجاج معابرها وتكثر فيها الأقذار والأوساخ التي كثيرا ما تكون باعثا تنبعث عنه الأدواء المضرة بصحة الأهلين ولا سيما في جمارة القيظ اذ تغلب فيها الوخامة ومع تعدد دُورها لا تكاد تشاهد فيها دارا منتظمة الا ما نزر وقل مما لا يجاوز عدد الانامل
اما بنايات البلدة الحديثة ومنازلها فهي من النظام والترتيب بحيث تريد الا النادر منها وأكثرها توفي على النهر والحدائق الفيحاء والأشجار اللمياء وفيها كثير من الجواد العمومية اما اعظمها فهي الجادة العمومية التي تشق البلدة ويأخذ حدها من الثكنة العسكرية حتی ينتهي إلى الحي المعروف بحي شيخ ياسين فمنها تتشعب واليها تفضي بقية الدروب وقد كان المسير فيها قبلا شاقا لكثرة غبارها الذي كان تكاد الاقدام تغيب فيه الا ان البلدية جزاها الله خيرا قد عُنيت هذه السنة بتمهيدها وتحصيبها حتي جائت وافية بالمرام وزد على ذلك أنها قد فرشت على جانبیها النحيت من الآجر على ارتفاع ربع متر في عرض متر ونصف متر في الغالب حتى غدا الممر فيها سهلا هين المراس وقد فعلت ذلك في كثير من طرق الأحياء ومن بديع انتظامها أن الأسواق التي تبلغ الثماني عدّاً قد تخللت هذه البلدة وهي على ادق نسق ونظام تاخذ بعضها باعناق بعض تنتظم بلبَّتها دار الحكومة السنية المُحكمة المبنى انتظام العقود في نحور الكواعب . ولدار الحكومة هذه اربعة مداخل من الجهات الأربع فالأثير فيها هو النافذ الى الاسواق وهو على أبدع شكل قد قامت من فوقه الطغراء الحميدية مكتوبة باحرف ذهبية على أحسن أسلوب يأخذ بمجامع الفؤاد وفي هذه الدار من الردهات الرحبة والأبهاء المتسعة مما لا سبيل إلى ذكره وهي على اتم ترتيب يطل أكثرها على النهر والحدائق النضرة والأشجار الغضة وغير ذلك من المشاهد الشائقة
اما اسواق هذه البلدة فحافلة باصناف البضاعة وزد على ذلك أنها قد غدت موردا تجاريا لكثير من بلاد بر الشام اذ فيها ما ليس في غيرها من انواع التجارة التي تحمل منها الى تلك الأمصار السمن والصوف والسمسم والمواشي وغير ذلك مما هي غنية به ، بيد أن ما قد زادها رونقا وأتت به احوالها توسطها بين البلاد العامرة من مثل حلب والشام والموصل وبغداد وقربها منها فهي على مسيرة ثمانية أيام من كل منها او تزيد ومفاد ذلك ما هي عليه من الارتباط المحكم لان التجارة مع تلك البلاد المار ذكرها ولا يخفى على أحد ما في ذلك من عظم النفع ما ينبئها بمستقبل باهر
على أن صناعتها ليست باقل رواج من تجارتها اذ يجد فيها المرء من الصنائع ما هو في حاجة اليه لمرافق الحياة وهي وان كانت الآن في حاجة إلى غيرها من الصنائع زيادة في رونقها بيد ان ذلك لا يمنعها من التقدم في المستقبل اذا قوبل بين ما هي عليه الان وما كانت عليه منذ بضع سنوات حيث لم يكن يجد المرء منها ما يسد به خلّته اما زراعتها فمن أحسن الزراعات لجودة تربتها وغزارة مياهها على انك قلما تجد بلدة
حوت من سعة الاراضي الصالحة للزراعة ورحابتها ما حوته الزور . وهذه الأراضي يسقيها نهران عظيمان نهر الفرات والخابور . اما الأخير فصدره من رأس العين وهو اسم لقضاء لاحق بلواء الزور على مسيرة اربعة ايام منه ومصب هذا النهر في البصيرة وهي ناحية داخلة في حكم اللواء المذكور تبعد عنه زهاء خمس ساعات وكانت تعرف قديما باسم قرقيسياء وتوغل هذه البلدة في القدم مما لا يجهله من وقف على تاريخها واستطلع طلعة خبرها . هذا وقد بني في جرف نهر الخابور السابق ذكره من السكور الشاهقة ما لا احصاء لعده قد قامت من فوقها الأرحاء لسقي تلك الأراضي الواسعة لكن أكثرها لا يزال قفرا يبابا على خصبها وان لنا من وثيق الامل انها ستعود الى عمرانها يمر خط قونية الكبير بها فتكون زاهية بالخيرات مأهولة بأهلها ويمهد ذلك للاهلين سبیل السعادة والفلاح بفضل الحضرة السلطانية العلية على رعاياها في تلك الأمصار
على أن اللواء الذكور كان يضم تحت سلطته في اول امره من الأقضية ما يناهز العشرة عدّاً فضلا عن المديريات او النواحي واليوم يملك من الأقضية ثلاثة فقط وهي رأس العين والعشارة والبوكمال . ومن النواحي اربع وهي تدمر والسبخة و كوكب والبصيرة
على أن العشائر اللاحقة بالأقضية والنواحي الملمع اليها هم في الغالب من ارباب الزراعة والفلاحة لا يشغلهم عنها شاغل الا متى طرأ عليهم طارئ سیل نهر الفرات فيصرفون عنها حينا من الزمن . ولسيل الفرات هذا زمن مضروب في بحر السنة مبدأه من غرة أيار حتى اذا كان آخر شهر حزيران يرجع من ثم إلى ما كان عليه سابقا من النظام الطبيعي في المجرى ولقد ينجم عن سيله في بعض الأحيان من المضار في الزرع اذا اشتدت وطأته وقويت شوكته كما لا يخلو توسطه في الأمر من المنافع حيث لا يرجع القهقرى الا وقد نالت الأرض منه حظا وافيا من الري فتدخل اذ ذاك في طور جديد من الطراءة واللدونة ويذهب بعض المؤونة والعناء من الفلاح الذي يعاني في سبيل سقيها بالدلاء ما يعاني فتبارك الله من خالق حکیم
هذا وان اللواء يحتوي من النفوس مع ملحقاته على نحو مائة الف ما خلا القبائل الراحلة فاولئك يبلغون الستين الفا او يزيدون . اما مركز اللواء فلا يتجاوز عدد سكانه الخمسة عشر الفا وهم مسلمون في الغالب وفيهم من النصارى ما يبلغون الثلامائة نفس بين سريان و ارمن و كلدان وروم . وفي اللواء من الجوامع خمسة ومن الكنائس اثنتان للسريان والأرمن ( 1 ) واما من المكاتب فيه ثلاثة اثنان منها ابتدائي والاخر رشدي تدرس في هذا الأخير من اللغات اربع التركية والعربية والفارسية والافرنسية بيد ان هذه الأخيرة قد أدخلت من نحو سنتين في سلك اللغات بهمة عطوفة متصرفنا الحالي الأفخم ذلك ليكون منها إلمام لمن يتسنى له الدخول ترفيعا في المكاتب الاعدادية في الولايات العظمى من مثل حلب والشام وبغداد وغيرها بعد أن يكون قد أنجز دروسه في المكتب الرشدي وحاز الشهادة المؤذنة بذلك وهو إنعام ناله اللواء منذ عهد غير يسير من لدن نظارة المعارف الجليلة أيدها الله . وقد تخرج في مكتب اللواء هذا عدد لا يحصى عديد من الشبان شهد له نهم بطول الباع وسعة الاطلاع في اللغات الثلاث الأولى فمن هؤلاء من انخرط في سلك مناصب الحكومة السنية ومنهم من تقلب في غير ذلك من الوظائف لا زال اللواء راقيا مراقي النجاح والفلاح في ظل صاحب الشوكة والقدرة مولانا وسلطاننا الأعظم أيده الله بالنصر المبين وخلد ملكه ما ذر بدر وطلع قمر بمنه وكرمه ان شاء الله
انتهى…
السلطان المقصود هو عبد الحميد الثاني
المصدر: صفحة قارئ في التاريخ

شاهد أيضاً

دير الزور.. جواز السفر السوري خلال مرحلة الانتداب الفرنسي

جواز السفر السوري خلال مرحلة الانتداب الفرنسي، و قد منح هذا الجواز في ديرالزور سنة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *