“اللّفة”.. أصابعك تحدد حجم “النتشة”

لمحافظة “دير الزور” طقوس وعادات مميزة وبوجه خاص في فصل الصيف الذي يتميز بطول نهاره، فخلال المدة التي يمارس فيها الأطفال في الحي بعض الألعاب في هذا النهار الطويل، تكون “اللفة” ما بين فترة الغداء والعشاء ضرورية ليحتال الطفل على جوعه.

 

أحد أبناء حي “الشيخ ياسين”؛ تحدّث عن ذكريات الطفولة وطقوس “اللفة” وأهميتها بالقول: «يتميز فصل الصيف بطول نهاره وهو ما يجعل المدة ما بين الغداء والعشاء طويلة؛ وهذا الأمر يدفع الأطفال للجوع، فبعد ممارسة مجموعة من الألعاب في الحي كـ”الحاح والطمازون والضايع والغميضة”، وغيرها من الألعاب المجهدة التي تحتاج لبذل طاقة جسدية كبيرة، كنا نقوم بالاحتيال على جوعنا وذلك من خلال إنجاز “لفة”؛ و”اللفة” عبارة عن رغيف ديري كامل يتجاوز قطره 30سم محشو بنوع من أنواع الأطعمة، ويخرج بعدها الطفل منا حاملاً لفته ليتابع لعبه مع أقرانه، وهذه “اللفة” تكون بداية مهرجان من اللفات في الحي من قبل الأطفال، فبعد رؤية هذا المنظر يتوجه كل طفل لبيته مسرعاً لإنجاز لفة مميزة ويجتمع جميع الأطفال في حلقة دائرية حاملين اللفة وكل واحد يتباهى بمكوناتها، وهنا يتم تبادل ما يسمى “النتشات” فيما بيننا ليتذوق كل منا لفة الآخر، وبعض الأطفال يكتفون بتناول “نتشة” من كل لفة من لفات الأطفال ويمتنعون عن إنجاز اللفة الخاصة بهم، فقد كنا حريصين على لفاتنا من “النتش” الذي يتجاوز الحد؛ فنحدد حجم “النتشة” من خلال وضع أصابعنا بمكان محدد لا يمكن للطفل الذي سينتش تجاوزه، وهذا المنظر للأولاد وهم يحملون لفاتهم كان عبارة عن لوحة تشكيلية يعجز أعظم الفنانين عن إنجازها، وهو منظر لن يتكرر في أيامنا الحاضرة والقادمة».

 

وعن أنواع اللفات التي يصنعها الأطفال يضيف: «من اللفات المميزة التي كنا نقوم بصنعها: “دبس فليفلة مع زيت، سمن عربي مع سكر، دبس بندورة مع زيت ونعناع، زيت وزعتر، جبنة بأنواعها، المكدوس”، كما أن هناك لفات مميزة مثل: لفة السمن العربي والدبس العراقي أبو دمعة، ومن أقوى اللفات وأطيبها تلك التي تكون بعد انتهاء “الخابية” من السمن العربي، ويكون الأهل قد بطنوها بالتمر المعجون، وهنا تكون اللفة خليطاً من التمر مع بقايا السمن ويتم دهنها برغيف التنور، وهو ما يعطي طاقة ولذة، ومن اللفات الغريبة التي كان بعض الأطفال يصنعونها “لفة محشي”، أو لفة من قرون البامياء، ومنهم من يكتفي بوضع “الطرشي” (المخلل) فقط في الرغيف الذي تختلف أنواعه ما بين التنور والخبز الآلي، وهناك “لفة مي وسكر”، ومن أغرب اللفات التي رأيتها “لفة طيب وناهي”.

 

واللفة لم تكن حكراً للصبيان فقط، وإنما البنات أيضاً كان لهن لفاتهن الخاصة، ولكن تختلف مكوناتها حيث تكون اللفة صغيرة الحجم وتحوي القليل من المربى أو اللبنة أو ما شابه، وهذا لأنهن لا يبذلن الجهد الذي يبذله الصبيان في اللعب، فألعاب البنات محدودة مثل: “المستراح” أو الألعاب التي لا تتطلب الحركة، وإنما يكتفين بتقليد أمهاتهن وخالاتهن أو معلميهن في المدرسة».

 

ويقول أحد أبناء دير الزور: «يجب أن يأخذ أهل “الدير” براءة اختراع لكلمة “لفة”؛ لأنهم أول من استخدم هذه الكلمة لهذا النوع من الطعام، وزمن “اللفة” لن يعود لأنه زمن الحياة الجميلة الطيبة البسيطة، فقد صار بدلاً من اللفة السندويش والأكلات الغربية السريعة، وأصبحت الأجيال تبتعد عن تلك الأنواع من الطعام، فلم يعد هناك من يأكل السمن العربي حتى لو تم طهو الطعام به، ولم يعد هناك خبز ديري، حتى ألفة الحارة غابت فصار كل عقار حارة وحده، فما عدنا نعرف جيراننا، ومن القصص الجميلة التي رواها لي والدي عن أحد أصدقائه أنه في الثمانينيات من القرن الماضي كان بمطار “شارل ديغول” بفرنسا والصالة كانت ملأى بالبشر من كل الجنسيات، والأصوات كانت عالية ومن كل اللغات، وصوت واحد فقط لفت نظره وسمعه وانتباهه وهو صوت طفل صغير يصيح: “ول مااا.. ول أريد لفة”، يقول: ركض باتجاه الصوت وكم كانت فرحته كبيرة إذ وجد عائلة ديرية في المطار».

 

بقلم رامي خطاط لموقع إي سيريا

شاهد أيضاً

” السليقة “.. تراث ديري متجدد

في الماضي والى وقت قريب كان الناس يجهزون مونة البرغل في بيوتهم ويذهبون الى سوق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *