ذكريات ديرية.. يكتبها طارق الشيخ

بقلم طارق الشيخ

عام 1941 م، دخلت الصف الأول ابتدائي ،بمدرسة هنانو بديرالزور .. وممن كان معي في الصف : ياسين دللو – علاء الدين اوزدمير – وليد فؤاد لبابيدي –

نوري جدعان — خير الدين وانلي ابن مدير المالية — شوقي دهموش .ابراهيم الزغير– تلميذ من بيت حميري –  عدنان رشيد وعمه مجيد القصاب .. وكان هناك طلاب عمرهم سبع سنوات وأخرون بعمر 12 سنة .

وكان الأستاذ هو صلاح الدين اوزدمير خريج معهد المعلمين في اسطنبول.. وكان مخلصاً في واجبه وشديداً على الكسالى ولديه مسطرة للعقاب ذقنا طعمتها عدة مرات.

في كتاب القراءة وبعد الحروف توجد الكلمات ، وكانت ماما.. بابا.. دادا.. وكان معنا تلميذ رسب اربع مرات بالصف الأول لأنه يقرا:

ماما.. بابا.. دادا.. ويضيف من عنده بعدها كلمة (حبابة) فيعاقب بالمسطرة وبالفلقة ومع ذلك كان مصرا على كلمة حبابة غير الموجودة بكتاب القراءة.. فأخرجه أهله من المدرسة وفتحوا له دكان فعاش سعيدا.

— في الصف الثاني كان استاذنا عبود الشيخ عطية عام 1942 م. وكانت الحرب العالمية الثانية على أشدها.. فانتشرت الأمراض السارية والقمل والجرب والكجل، وأمراض أخرى أشد خطورة .. وكان عدد الأطباء قليلاً جداً وهم د. آصف صائب .. د. علي الحافظ .. د. عبدالقادر علوني .. د . محمد علي القنواتي في المشفى الوطني ثم د. منير شورى بعد نقل القنواتي إلى دمشق .

وطبيب الأسنان د. فرحان الحافظ. 

وكانت توجد صيدلية واحدة ل شفيق العطار .. وقابلتين قانونيتين هما: مبينة كيلاني و بهية خانم . هؤلاء هم الكادر الطبي في محافظة ديرالزور .

يبدأ دوامنا بفحص اليدين لقص الأظافر.. ثم يفحص الاستاذ شعر الرأس بحثا عن القمل ثم يسأل الأستاذ عن الحكة بالجلد خوفا من الجرب وبعدها نبدأ بالدرس. وكثيرا ما يأتي الآذن بعلبة زيت السمك للصف ويشرب كل طالب معلقة .

— في الصفوف الأخرى الابتدائية

درَّسَنا كل من عبدالمجيد دهموش .. شفيق بشار ..محتشم بقجه جي ..  سعيد شرف.. أمين الشاكر .. شفيق فتيح.. توفيق الفتيح. عبدالرزاق جعفر .. ياسين جعفر .. مصباح بقجه جي .. وكانوا يبذلون قصارى جهدهم لتعليمنا .. يرحمهم الله .

 

في هذه الفترة انتشر داء الفطور في الرأس ..  وهو مرض معدي لم يكن له دواء في ذلك الوقت سوى مرهم من محل (ابو العوين ) في سوق الحبوب

يوضع لمدة أسابيع ، ويؤدي إلى سقوط الشعر في بقع من الرأس ( داء الكجل)، وقد أصاب عددا من أطفال أحد أحياء ديرالزور بالعدوى فسماها الديريون (حارة الكجلان)

في هذا الوقت دخل الإنكليز إلى ديرالزور مع قوات ديغول وجرت معركة بالمدافع والرشاشات مع قوات فيشي وفي صباح اليوم التالي عاد الهدوء للمدينة فأخذت قرشاً من أهلي وذهبت إلى محل ( عيد الشكرجي ) كعادتي لأشتري لفة حامض حلو ، فقال لي: لقد سقط القرش وارتفعت الأسعار .. هات قرشين ونصف لأبيعك . فعدت إلى المنزل .

مع سقوط القرش ارتفعت اسعار المواد ، و صار البعض يشترون ( المعلاق) الرخيص عوضا” عن اللحم الغالي .. وعندما يمر الرجل في السوق حاملا” المعلاق يصيح المارة: (خنقها.. خنقها ) إشارة إلى البخل .

 

عام 1944م بدأت تنتشر الكهرباء في البيوت .. وكذلك صنابير مياه الشرب .. وكان هناك شاب يدعى ( خزعل ) مدد خطوط الماء لأغلب منازل ديرالزور .. وانقرضت مهنة الملايات.

— كان يوجد نظام الحراس الليلي.. يبدأ عمل الحارس مع صلاة المغرب.. يدور الحارس على المحلات والمنازل ويتفقد الأقفال .. وكان للحارس ( قولبة )

وهي محرس من خشب يجلس فيه .. واذا مر شخص غريب بالحي يدقق الحارس بأمره ، وكان للديريين قصص مع الحراس .. يغافلون الحارس ويغلقون عليه باب القولبة من الخارج ويحبسونه فيها .

 

—  كانت توجد دائرة الميرة ، تمنع نقل الحبوب والملح والدخان  الا برخصة وبعد دفع رسوم.. لهذا كان الجيران يطلبون من بعضهم بعض الملح أو الطحين أو الخبز وخاصة مساء بعد إغلاق المحلات   فصاروا يقولون : بيناتنا خبز وملح .

— كانت الأمية متفشية، فبذل المعلمون الرواد جهودهم في تعليم التلاميذ ، وتحبيب الناس بالمدارس والتعليم ، وخلال عقدين من الزمن ، تأهل المئات من المعلمين والمعلمات ، وانتشروا في قرى وبلدات ديرالزور وفي دول الخليج يدرسون بالرغم من صعوبات السفر وعدم وجود كهرباء وماء وضعف وسائط النقل والإقامة ، يعوضهم عن المشاق احترام الناس وراتب يكفي لحياة كريمة . وأطلقوا على المعلمة الفراتية الأولى لقب (ست ) فقالوا ست لبيبة حسني وست وهيبة وست صائمة ورويدة خانم .. وحتى معلمة القرآن فطمة خانم ..وكان الاستاذ إذ مر بمقهى يدعوه كل الموجودين للجلوس معهم .. وأتذكر درس للحساب للأستاذ عبود الشيخ عطية .. فقد كان رحمه الله يحب السكاكر .. وفي درس الجمع والطرح ، أخرج 10 ملبسات من جيبه وقال : هذه كم عددها ؟ فصاح التلاميذ.. عشرة . 

فقال : اذا اكلت انا 2 ووضعها في فمه ، كم يبقى معنا ؟ فقلنا 8 ..قال وإذا أكلت 3 كم يبقى معنا ؟ فصحنا 5

 

وكان يوجد في الشارع العام قرب سوق الحبوب دكان لشخص ندعوه ابن حمور، مملوء بالكتب القديمة ، نستأجر الكتاب بفرنك لمدة ثلاث أيام وبعدها كل يوم يزيد نصف فرنك ولديه سجل يدون فيه اسماءنا وتاريخ استئجار الكتاب .

— ثم افتتح صالح السيد مكتبة للمجلات والصحف ، وبعده افتتح صالح اليوسف واخوه منصور مكتبة فيها انواع الكتب والمجلات .. وأكثرها مبيعا” كانت .. المختار .. ولابد في هذا المجال أن نذكر الشاب ( بلبل ) وكان يحمل المجلات والصحف مساء بيده ويسير في الشارع العام ثم ينحدر إلى الجراديغ وهو ينادي على أهم الأحداث المحلية والعالمية .

— كان النشاط المدرسي في الكشافة ، وكل تلميذ لديه لباس كشاف في منزله ، وفي يوم الكشافة نخرج بصفوف منتظمة ونحمل المشاعل المتقدة ومع كل فوج يسير الأذن حاملا تنكة زيت كاز ويعطي لمن انطفا مشعله..

وفي مجال الكشافة كان حسن الأحمد بيك على رأس مجموعة منها شفيق بشار وشفيق الفتيح وتوفيق الفتيح وقد حببونا بها وبذلوا جهودا لتعليمنا مناقب

وأخلاق الكشاف

 

كان أهل الدير يعشقون كرة القدم ، وكان نادي الفرات ( اليقظة ) في قمة نوادي سورية ، وكانت توجد مباراة في كل يوم جمعة .. ينزل اللاعبون من نادي الفرات في الحويقة إلى الشارع العام بلباس كرة القدم متوجهين إلى الملعب

مشيا على الأقدام والذي يقع أمام ثانوية الفرات .. وفي الطريق ينضم إليهم الناس ويسيرون خلفهم حتى الملعب بمظاهرة .ومن أشهر اللاعبين بحينها : حسن الأحمد بيك ..منير هنيدي .. علاء هنيدي .. كمال هنيدي .. علاء طبال ..

شوكت طبال .. صالح الدهمش … ابراهيم برغوث ولقبه دراجة لسرعته بالركض في الجناح الأيسر .. و( دنوج ) في الدفاع كان شرسا ، وتتعالى صيحات المتفرجين على الخصم المهاجم يادنوج.. اكسروا .. اكسروا فيهاجمه دنوج ويصدمه او يضربه على ساقه فيطرد من الملعب ..

وإذا دخل هدف من بين أقدام حارس المرمى ، تتعالى الصيحات : باضها ( من البيض ) ..ومن اللاعبين نوري الحلاوي واخوه أمين ، وصلاح خديرة وابن عرار .

 

في ذلك الوقت ، كان يأتي بعض القرباط إلى ساحة الحدادة ومعهم قرد يرقص على أنغام أغنية منها : دوم.. دوم //// خلي الحلوة تشبع نوم..

وكان آلاف الجنود يمرون من ديرالزور إلى العراق في الحرب العالمية الثانية تابعين للإنكليز منهم السيخ والهنود ومن فيتنام وكوريا .. الجنود من تلك الدول والقادة انكليز قادمين من بيروت .. يسيرون على الأقدام في كورنيش النهر حتى الكنامات ثم يركبون الشاحنات .. ثم جاء مهندسون انكليز وباشروا ببناء قواعد جسر امام قهوة السراية لم يكتمل .. وبنوا استحكامات قوية في المدينة (بلوكوزات ) تم إزالتها فيما بعد بصعوبة بسبب متانتها وكثرة حديد التسليح .

 

شاهد أيضاً

صالح الحمود.. ومسيرته الطويلة في صناعة دلال القهوة

بقلم سعد خليفة إن فنجان القهوة الذي قد لا يزيد على بضع رشفات من شراب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *