الرئيسية / تاريخ وحضارة / وقائع تاريخية / الجَزِيرَةُ السُّورِيَّه فِي العَصِرْ العَبَّاسِيِّ

الجَزِيرَةُ السُّورِيَّه فِي العَصِرْ العَبَّاسِيِّ

الجَزِيرَةُ السُّورِيَّه فِي العَصِرْ العَبَّاسِيِّ

في سنة 132هـ انتقلت الخلافة إلى العبَّاسيِّين بعد القضاء على دولة بني أميَّة، واتَّخذ العبَّاسيُّون العراق مركزاً لهم وبغداد عاصمة لدولتهم، وخسرت سوريَّة مكانتها كمركز للدَّولة الإسلاميَّة، وأصبحت مجرد ولاية تابعة لمركز الدَّولة في بغداد.

قسَّم المؤرِّخون الفترة الزَّمنيَّة الَّتي سادت فيها الدَّولة العبَّاسيَّة إلى أربعة عصور منها عصرين متميِّزين: عصر عبَّاسيٌّ أوَّل يعبرون عنه بالعصر الزَّاهي، ويمتدُّ من نشأة الدَّولة عام 132هـ حتَّى أيَّام الخليفة الواثق بن المعتصم سنة 232هـ وبموته انتهى العصر الذَّهبيُّ للدَّولة العبَّاسيَّة[1].

العصرُ العبَّاسيُّ الأوَّل: عصر القوَّة والتَّوسع والأزدهار من عام (132 ـ 232 هـ /750-847م ) أبتدأ بخلافة عبد الله بن محمَّد العبَّاسيِّ أبي العبَّاس السَّفاح وانتهى بخلافة الواثق ( واستطاع عبد الله بن العبَّاس في هذه الفترة من القضاء على حركة أسامة بن مسلم واخضاع مدن الرَّقَّة وحرَّان والرَّها وماردين ودمشق وبيت المقدس).

العصرُ العبَّاسيُّ الثَّانيُّ: عصر النُّفوذ التُّركي من (232-334 هـ/ 847-946م ) أبتدأ بخلافة المتوكل وانتهى بخلافة المستكفي وتميَّز باستحكام الأتراك في السَّيطرة على قبضتهم على أجهزة الدَّولة واستقلَّ الحمدانيُّون بالموصل وديار بكر وديار ربيعة ومضر.

العصرُ العبَّاسيُّ الثَّالثُ: عصر النُّفوذ البويهيُّ الفارسيُّ من ( 334-447 ه /ـ 946-1055م) أبتدأ أثناء خلافة المستكفي وانتهى بخلافة القائم وتميَّز هذا بارتباطه بتاريخ البويهيِّين.

العصرُ العبَّاسيُّ الرَّابعُ: النُّفوذ السَّلجوقيُّ التُّركيُّ ( 447-656 ه / 1055-1258م ) ابتدأ أثناء خلافة القائم، وانتهى بوفاة المستعصم، وتميَّز بانتقال السُّلطان الفعلي إلى أيدي السَّلاجقة الأتراك.

وفي عهد الخلافة العبَّاسيَّة ازدهرت الرَّقَّة على مختلف الصُّعد، لأنَّها حظيت باهتمام كبير فأصبحت أهم المدن العبَّاسيَّة في بلاد الشَّام، ويذكر المؤرِّخون أنَّ المنصور هو الَّذي أمر ببناء الرَّقَّة العربيَّة على طراز خطة بغداد، بعد أن ولي عليها لفترة حيث أعجبه موقعها وطيب هوائها وعذوبة مائها. وبعد استلامه الخلافة أرسل ابنه المهدي ولي عهده إلى الرَّقَّة سنة (155هـ/722م)، وأمره بأنْ يبني الرَّافقة على طراز بناء بغداد إلى جانب الرَّقَّة البيزنطيَّة كما أضاف الخليفة هارون الرَّشيد الَّذي سكن الرَّقَّة طويلاً، العديد من القصور والمواقع الهامَّة.

يقول الباحث محمَّد العزو” من أهالي الرَّقة ” في كتابه حضارة الفرات الأوسط والبليخ: “بدأ الخليفة العباسي المنصور في عام (772) م، ببناء عاصمة صيفية للدَّولة العبَّاسيَّة بالقرب من الرَّقَّة، سمِّيت الرَّافقة. بُنيت المدينة الجديدة بشكل حدوة فرس على الطِّراز المعماري لبغداد، وسرعان ما اندمجت مع الرَّقَّة. بين عامي (796 و808م )، استعمل الخليفة العبَّاسيُّ هارون الرَّشيد الرَّقَّة عاصمة له أيضاً، وأصبحت المدينة مركزاً علميّاً وثقافيّاً هامّاً”.

ويضيف العزو عن أصل تسمية الرَّقَّة: “كانت الرَّقَّة تحمل اسمين: الأوَّل نيكفوريوم نسبة إلى مؤسَّسها سلوقس الأوَّل والثَّاني كالينيكوس. وتشير بعض المصادر إلى أنَّ مدينتي كالينيكوس ونيكفوريوم متجاورتان، وقد أطلق العرب المهاجرون على كالينيكوس اسم الرَّقة البيضاء”.

وحملتا معاً فيما بعد اسم “الرَّقَّتان”، وأغلب الظَّن أنَّ لفظ الرَّقَّتين المتجاورتين في العصور الإسلاميَّة يشير إلى الرَّقَّة البيضاء، والرَّقَّة السوداء، وقد تكون كالينيكوس أو كالينيكوم هي حيُّ المشلب حالياً ونيقفوريوم هي الرَّقَّة السَّمرة حالياً”.

قبيل فتح الرَّقَّة كان سكَّانها عرباً من مُضر يعتنقون الدِّيانة المسيحيَّة، شأنهم في ذلك شأن سُكَّان مدن أخرى عامرة هي حرَّان واديسا (الرَّها -أورفا).

التقسيمات الإدارية للجزيرة الفراتية خلال الفترة الأمويَّة والعبَّاسيَّة المبكرة

أمَّا القبائل العربيَّة الَّتي كانت تقطن والَّتي هاجرت من الجزيرة العربية  إلى الجزيرة السُّوريَّة وما يجاورها من مناطق فهي قبائل ربيعة وتغلب وبكر قبل الإسلام ومن ثمَّ القبائل المضرية والَّتي منها القبائل القيسيَّة وقد اختلطت القبائل المهاجرة بعد الفتوح الإسلاميَّة بالقبائل الَّتي هاجرت قبل هذه الفتوح كتغلب وبكر، كما جاءت جموع قيسيَّة أخرى في العصر العبَّاسيِّ كان منها “بنو قشير ونمير وعقيل وكلاب” الَّذين نزلوا على نهر الخابور في الخانوقة وعرابان وقرقيسياء والرَّحبة، فأزاحوا من كان يسكنها من قبائل ربيعة ومضر عن بعض ديارهم  كحرَّان وجسر منبج والخابور والخانوقة وعرابان وقرقيسيَّا والرَّحبة “[2].

 

الإمَارَاتُ وَالدُّوَلُ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي مَنْطِقَةِ الجَزِيرَةِ السُّورِيَّه

وَمَا حَوْلَهَا فِي العَصْرِ العَبَّاسِيِّ

أولاً- الإمَارَةُ المَرْدَاسِيَّةُ: شهد العصر العبَّاسيُّ الثَّالث ظهور الإمارة المرداسيَّة في الرَّحبة والَّتي تأسست نتيجة هجرة القبائل التُّركمانيَّة الغزيَّة الَّتي قضت على النفوذ العربيِّ. بدأت الإمارة المرداسيَّة حياتها السِّياسيَّة في الرَّحبة مع صالح بن مرداس، وهو من فرع ربيعة، فاستولى عليها في عام ( 399 هـ / 1009م ) وقضى عليها المقلد ابن المسيَّب وحفيده قرواش بن بدران.

ثانياً- الدَّوْلَةُ الحَمَدَانيَّة: الحمدانيُّون أو بنو حمدان، ينتسب الحمدانيُّون إلى أصل عربي صميم هو قبيلة تغلب الَّتي يعود نسبها إلى وائل بن نزار بن معد بن عدنان.[3] من القبائل العربيَّة الَّتي كانت مساكنها أرض الجزيرة شمال شرق سوريَّا والَّتي كانت تدين بالمسيحيَّة قبل دخولها للإسلام. ولمع نجم الدَّولة الحمدانيَّة أثناء عهد مؤسِّس السُّلالة حمدان بن حمدون، والَّذي أصبح سنة 890 م والياً على منطقة ماردين من قبل العباسيين.

استغل الحمدانيُّون فرصة ضعف الخلافة العبَّاسيَّة واستقلوا بدولتهم في الموصل سنة (229 هـ) وفي حلب، وقد انضمَّت تحت لواء دولتهم القبائل العربيَّة في وادي الفرات والجزيرة السُّوريُّة وأطراف بادية الشَّام. ومن أشهر أمرائها “سيف الدَّولة” والَّذي كان أميراً على حلب، وعند وفاته (356 هـ-967 م) أنتاب الدَّولة الحمدانيَّة الضَّعف بسبب المنازعات الدَّاخلية بين أبناء البيت الحمدانيِّ، ورثتها إمارتان واحدة في الموصل عُرفت باسم الإمارة العَقِيليَّة وأخرى في الشِّمال هي الإمارة المروانيَّة.

ثالثاً– الإِمــَارة العَقِيليَّة: من بني عقيل من قبيلة عامر بن صعصعة أحد فروع قبيلة هوازن القيسيَّة المضريَّة العدنانيَّة وأسسها المقلدبن المسيب وأشتهر من العقيليين “قريش بن بدران بن المقلد” صاحب الموصل ونصيبين و”مسلم بن قريش “(شرف الدَّولة ) أحد كبار العقيليين أمير حلب والموصل الَّذي قضى على بنى مرداس، وفي عهده بلغت الدَّولة العقيليَّة أوج سلطانها، وأزاح السَّلاجقةُ الحكمَ العقيليَّ من الموصل عام 489 هـ .

رابعاً– الإِمَــارَةُ المِرْوَانِيَّةُ : سكن المروانيُّون المناطق الواقعة شمال الموصل واستغل “باذ” وهو أحد زعماء بني مروان ( والَّذي نشأ راعيّاً للأغنام ثمَّ أنقلب إلى رئيس عصابة      ( قطَّاع طرق ) وما لبث أن ذاع أمره فالتفَّ حوله جماعة من المريدين والمؤيدين واشتهر منذ ذلك الحين بكرمه حتَّى أنَّه كان يوزع على أصحابه كلَّ ما كان يقع في يده من غنيمة وكسب )[4].

وأقام لنفسه إمارة في ديار بكر وأستولى على أهم مدنها، مثل آمد ونصيبين وميا فارقين، كما سيطر على الموصل[5].

خامساً- الدَّوْلَةُ السَّلْجُوقِيَّةُ:  ينتسب مؤسِّسي الدَّولة السَّلجوقيَّة إلى قبائل الغز التُّركيَّة، وينتمون إلى جدٍّ هو “سلجوق بن دقاق” ودقاق هو أوَّل من دخل في الإسلام من أفراد قبيلته واعتنق المذهب السُّنِّي، وقد عُرِف قديماً أنَّ الأتراك ظهروا على المسرح السِّياسيِّ في القرن الثَّالث ميلادي وقامت صلات بينهم وبين العرب في ذلك الوقت بحكم أنَّهما كانا يعملان في الجيوش الفارسيَّة والبيزنطيَّة [6].   وابتدأت العلاقات المباشرة بين الأتراك والعرب منذ الفتوح الإسلاميَّة للمشرق عندما فتح المسلمون بلاد فارس وأضحوا وجهاً لوجه مع العناصر الَّتي تسكن ببلاد ما وراء النَّهرين والَّتي معظمها عناصر تركية[7].

وتسرَّب الأتراك منذ العصر الأمويِّ إلى صميم المجتمع الإسلاميِّ ودخلوا في مفاصل الدَّولة، وفي العصر العبَّاسيِّ كان لهم الدَّور البارز بمساندة الدَّولة العبَّاسيَّة، ونتيجة لانتقال الخلافة العبَّاسيَّة من المركزية إلى اللَّامركزيَّة في الحكم، قامت دول انفصاليَّة مستقلة استقلالاً تاماً أو جزئيّاً مع الاعتراف بسلطان الخلافة الرُّوحي[8].

وقامت دولة السَّلاجقة في خراسان عندما أعلنها طغر لبك عام 422هـ والَّذي أرسل رسالة إلى الخليفة العبَّاسيِّ القائم، يطلب منه فيها الاعتراف بدولته الجديدة، واعترف به الخليفة العبَّاسيَّ سلطاناً لاحقاً عام 432هـ ، وكان هذا الاعتراف هو اعترافٌ بأمر واقع، نتيجة للضَّعف الَّذي دبَّ بالدَّولة العبَّاسيَّة، ( وهناك رواية أخرى أوردها محمَّد سهيل طقوش  ( إنَّ الخليفة العبَّاسيِّ القائم  ونتيجة الخطر من أبي الحارث أرسلان البساسيري أحد القادة البويهيِّين المتشيِّعين رأى أنَّ مصلحته تقضي عليه الاتصال بالقوَّة الغالبة خاصة وأنَّها كانت تدين بالمذهب السُّنِّي وتحترم الخلافة وتدين لها بالولاء فاستنجد بالسُّلطان السَّلجوقيِّ طغر لبك طالباً مساعدته ضد البساسيري  )[9] وكان النَّجاح الَّذي حقَّقه طغر لبك هو الَّذي أغراه ليتمدَّد باتِّجاه العراق لإنقاذ الخلافة العبَّاسيَّة من سيطرت البويهيِّين، وتمدَّد السَّلاجقة إلى إيران وكرمان والعراق وتمدَّدوا إلى إقليم الجزيرة وبلاد الشَّام  وآسيا الصُّغرى، وحكم السَّلاجقة خراسان والرَّي والجبال والعراق والجزيرة وفارس والأهواز، وحكم سلاجقة كرمان منطقة كرمان. واجتاح السَّلاجقة تركيا حتَّى قاربوا حدود القسطنطينيَّة، فارتعد الامبراطور البيزنطيِّ وطلب العون من البابا المسيحيِّ، ولاحقاً قام هذا الامبراطور بدعم الحملة الصليبيَّة الأولى لحماية امبراطوريَّته. وربَّما كانت أهمَّ نتائج تلك المعركة استقرار السَّلاجقة في أرض الأناضول وتأسِّيسهم لسلطنة الرُّوم. وقامت الحروب الصَّليبيَّة مع السَّلاجقة وقَدِمَ عساكر الافرنج من بحر القسطنطينيَّة تحت راية الحروب المقدَّسة وامتدَّت إلى فترات طويلة وقال سهيل طقوش: ( نجح الصَّليبيُّون في اختراق آسيا الصُّغرى بعد سقوط نيقيَّه ووصلوا إلى كيليكيَّة وسيطروا عليها ثمَّ واصلوا تقدُّمهم باتِّجاه بلاد الشَّام فبلغوا انطاكيَّة وضربوا الحصار عليها باستثناء ما كان من أمر بلدوين الَّذي انفصل عن الجيش الرَّئيسيِّ عند عنتاب وتوجَّه نحو الشَّرق بناءً على دعوة تلقاها من الأمير الأرمينيِّ ثوروس حاكم الرَّها لمساعدته في صدِّ الزَّحف الإسلاميِّ بقيادة كربوغا حاكم الموصل القادم لنجدة انطاكيَّة. وكانت فرصةً استغلها بلدوين في تأسيس إمارة له في الرَّها حيث تبناه صاحبها وأشركه معه في الحكم. ولم تمضِ مدَّة طويلة حتَّى اغتال الأرمن ثوروس فتزوَّج بلدوين امرأته وتسلَّم الحكم عام (491هـ/ 1098م )…وتوسَّع بلدوين بعد ذلك فاستولى على تلِّ باشر والرَّاوندان وسميساط بالإضافة إلى كثير من المواقع والمدن شمالي الجزيرة)[10].

وجاء حكم السُّلطان السَّلجوقيِّ “سنجر” منذ عام (511هـ وحتى 552هـ ) وقد نجح بإعادة هيبة الدَّولة وقوَّة السَّلاجقة وبتوحيد بلادهم من جديد، ولكنَّ هذا لم يَمنع انحطاط الدَّولة وضعفها بسرعة، بعد موته وانتهاء دولة السَّلاجقة العظام الَّتي كانت تحكم الجزيرة السُّوريَّة عام 552هـ، واستعان الخليفة العبَّاسيُّ بخوارزم شاه وتخلص من سلاجقة العراق بعد مقتل السُّلطان طغرل الثَّالث عام 590هـ  ونتيجة ذلك دخلت دولة الخلافة العبَّاسيَّة في فترة استقلال فعلي دام حتى عام (656ه / 1258م ).  أمَّا سلاجقة الرُّوم فقد استمرُّوا حتَّى القرن الثَّامن الهجريِّ.

وهكذا انتهى عصر الدَّولة السُّلجوقيَّة الَّتي كانت إحدى أقوى دول المشرق في التَّاريخ.

سادساً- الدَّوْلَةُ الأَرتِيقِيَّةُ: الأراتِقه هي أسرة تركمانيَّة تقطن في ماردين، واستأثرت بالسُّلطة فيها وكان منها فروع تولَّت الحكم في حصن كيفا وخربوت وأوَّل من تولَّى الحكم منهم نجم الدِّين إيلغازي أرتق عام 1105م وأمتدَّ حكمه إلى حلب وميا فارقين، وكان نجم الدِّين في البدء حليفا للصَّليبيِّن ومن ثمُّ انقلب عليهم ودارت بينه وبينهم وقائع كثيرة أشهرها وقعة “تلِّ عفرين” والَّتي هزمهم فيها وامتدَّ حكمه إلى نصيبين ورأس العين، وتوفي عام 1138م، وخلفه ابنه شمس الدَّولة، ومن بعده حسام الدِّين تيمورومن ثمَّ أحفادهم، واستولوا على عانة والحديثة، وجرَّت المنافسة بين الأحفاد وأدَّى إلى انهيار تلك الدَّولة بعد أن استمرَّت ثلاثمائة سنة من ( 1098 -1395م ).

سابعاً- الدَّوْلَةُ الزِّنْكِيَّةُ: نشأت الدَّولة الزِّنكيَّة كامتداد لدولة السَّلاجقة. وتُنسَب هذه الدَّولة إلى مؤسِّسها عماد الدِّين زنكي بن آق سنقر وأسرته تنتمي إلى قبائل “السَّاب يو” التُّركمانيَّة، ونشأت الدَّولة الزِّنكيَّة نتيجة الظُّروف الَّتي مرَّت على الدَّولة السُّلجوقيَّة  فترات من القوَّة والضَّعف، وكان للزِّنكيِّين دور كبير في محاربة الصَّليبيِّين، وتقرب عماد الدِّين زنكي للسَّلاطين السَّلاجقة بعد أن أظهر كفاءة إداريَّة ومقدرة عسكريَّة فعهد إليه بولاية الموصل عام (521ه/ 1127م ) وقامت الدَّولة الزِّنكيَّة بتوليه على الموصل ومن ثمَّ الجزيرة والشَّام، وقامت العلاقات بينه وبين الخلفاء العبَّاسيِّين وكانت أقواها مع الخليفة المقتفي لأمر الله بعدما فتح عماد الزِّنكيُّ إمارة الرَّها عام ( 539هـ ) من أيدي الصَّليبيِّين وعزلها عن بقيَّة الإمارات الصَّليبيَّة، وكان عماد الدِّين الزِّنكي مؤمن بفكرة قيام الجبهة الإسلاميَّة المتَّحدة في بلاد الشَّام لمحاربة الصَّليبيِّين، وامتلك حلب وحماه وحمص وبعلبك وحاصر دمشق والَّتي كان يحكمها المملوكي “معين الدِّين أنر” والَّذي طلب المساعدة لفكِّ الحصار من الصَّليبيِّين في بيت المقدس، وتراجع عماد الدِّين عن حصارها، وقُتِل أثناء حصاره لقلعة جعبر عندما أنقضَّ عليه أحد مماليكه المكلفين بحراسته ويدعى يرنقش، وجاء من بعده أولاده وانقسمت مملكته إلى قسمين، شرقي تحت حكم ابنه غازي الأوَّل ومقرَّه الموصل، والقسم الغربي تحت حكم ابنه نور الدِّين محمود الزِّنكي ومقرَّه حلب، وكان نهر الخابور هو الحدُّ الفاصل بين أملاك الأخوين، كما تعاون الأخوين في التَّصدي للصَّليبيِّين، ونجح نور الدِّين محمود من توحيد قسمي بلاد الشَّام الإسلاميَّة  “الشِّمالي المتمثِّل بحلب والجنوبيِّ المتمثِّل بدمشق” والَّتي قام بفتحها  وأسقط الخلافة الفاطميَّة في مصر، وأعادتها مصر إلى الخلافة العبَّاسيَّة، وضَيَّق على الصَّليبيِّين في بيت المقدس، بعد وفاة نور الدِّين محمود جاء بعده الملك الصَّالح إسماعيل والَّذي توفي عام (577ه / 1181م ) وبوفاته انتهى عهد الدَّولة الزِّنكيَّة في بلاد الشَّام، وجاء صلاح الدِّين الأيُّوبيُّ وظهرت الدَّولة الأيُّوبيَّة.

ثامناً- الدَّولة الأيُّـوبيَّـة: نشــأت هذه الـدَّولة في مصر، وامتـدَّت لتشـمل بـــلاد الشاَّم والحجاز واليمن  وبعض أجزاء المغرب العربي. يُعتبر صلاح الدِّين يوسف ابن أيُّوب مؤسِّس الدَّولة الأيُّوبيَّة، وقـد اختلف المؤرِّخون في أصل هذا القائد المسلم ونسب الأيُّوبيُّون، فمنهم من قال إنَّ أصلهم “عربيٌّ ” وهناك من قال إنَّهم من “الأكراد”.

بَيَّن الدُّكتور بهجت القبيسيُّ عن انتماء الدَّولة الأيُّوبيَّة وانتماء صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ ( أمَّا عن صلاح الدَّين الأيوبي، فقد جاء في بعض الكتب أنَّ نسبه عربيٌّ، عدا المسعوديِّ. ومن الهامِّ أنَّ ابن حوقل أشار إلى أنَّ سيف الدَّولة تسبَّب في إبعاد بني عقيل وبني حبيب من أودية بني ربيعة) حسب رأي ابن حوقل ففي هذا المجال ذهبت إلى الأخ د.سهيل زكَّار وطلبت منه نسب صلاح الدِّين الأيوبيِّ كما يذكره الإخباريُّون العرب، وفي نفسي ما يلي: إن ْكان في أحدِ أنساب صلاح الدِّين الأيوبيِّ شيء من بني ربيعة، أو بني عقيل، أو بني حبيب، فإنَّ صلاح الدِّين هو من الأكراد العرب الَّذين كردهم سيف الدَّولة عن ديارهم) . وهكذا كان فوجدت أنَّ صلاح الدِّين منسوب إلى بني ربيعة. عدت إلى بني ربيعة فوجدت أن بني عقيل من بني ربيعة، فإنَّ صحَّ ذلك فإنَّ صلاح الدِّين هو من الأكراد العرب، لذلك كان له ثأر مع سيف الدَّولة، وهذا ما يفسر دخوله حلب للأخذ بالثَّأر، وإنَّ بني عقيل اليوم هم من مشاهير سكَّان حلب. وممَّا يؤكِّد أنَّ صلاح الدِّين عربيٌّ كرديٌّ هو أنَّه حينما دخل حلب غَّيَر المذهب الحنفي السَّائد إلى المذهب الشَّافعي ولهذا دلالته، حيث المذهب الحنفي لا يشترط عروبة الحاكم أو الخليفة، بينما من شروط المذهب الشَّافعي أنْ يكونَ الحاكم عربياً، وهذا ممَّا دعى الخلافة العثمانيَّة فيما بعد اتِّخاذ المذهب الحنفي حيث لا يُشترط أنْ يكون الحاكم عربياً بل يُشترط أنْ يكون مسلماً من أتباع الدِّين الإسلاميِّ فقط.  فحينما بدَّل صلاح الدِّين الأيُّوبيُّ مذهب حلب من المذهب الحنفي إلى المذهب الشَّافعي ( الَّذي يشترط أنْ يكون الحاكم عربياً (، فهذا دليل صريح على أنْ صلاح الدِّين الأيُّوبيَّ أصوله عربيَّة، وهو من الأكراد العرب الَّذين كردهم سيف الدَّولة من أوطانهم وهذا ما يفسر قتل صلاح الدِّين لبعض من أهالي حلب، ولاسيَّما أنَّ أتباع وأقارب ســيف الدَّولــة لم يمضِ عليهم زمــن بعيد لنــسيان ما فعله ســـيف الدَّولـــة ببني عقيــــل وبني ربيعــــة وبني حبيب.)[11]

كما جاء في كتاب الفوائد الجليَّة في الفرائد الناصريَّة لمؤلفه الملك إلَّا مجد الحسن ابن الملك العادل محمَّد بن أيُّوب المُتوفَى (1258م ) (والمشهور عند بيتنا أنَّ جدَّنا نزل على الأكراد وتزوَّج منهم فصارت بيننا وبينهم خؤولة لاغير كما بيننا وبين الأتراك فإنَّ أمَّهات جماعة أسلافنا تركيات ) وعن نفوذ الأكراد زمن صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ، فيقول الملك الأمجد الحسن: ( ويدلُّ على صحَّة هذا القول أنَّ السُّلطان الملك النَّاصر صلاح الدِّين، لماَّ ملك البلاد، تقدَّم في دولته جماعة من الأكراد، فلم يـَتبقَ أحدٌ منهم إلَّا جاءه بنو عمه وأقاربه حتَّى صار في عصبة من أهله، والسُّلطان (صلاح الدِّين ) رحمه الله لم يأتِ إليه من يمت بقرابٍة إلَّا من جهة النِّساء فقط مثل: شهابُ الدِّين محمود وأخيه، خالا السُّلطان من أخواله. ومثل: عزِّ الدِّين مْوَسك، وجمال الدِّين فَـَرج. ولو كان من الرَّواديَّة لكان جميع القبيلة أولاد عمِّه، وإنْ لم يكن له ابن عمُّ قريب فيكون له ابن عمُّ بعيد قطعاً، لأنَّ القبيلة كلَّها أولاد رجلٍ واحد) (ولاشكَّ في أنَّ الدَّواعي تتوفَّر على الانتماء إلى الملك مالا يتوفَّر على الانتماء إلى الأمراء، ولماَّ لم ينتسب إليه أحدٌ إلَّا من جهة النِّساء علمنا أنَّه ليس بيننا وبين الأكراد إلَّا خؤولة)

ثمَّ يتابع بشــرحه عن نكران صلاح الدِّين لنسبه الكرديِّ (ولعلَّ معترضاً يقول: إنَّما لم ينتموا إليه لأنَّهم هابوه أو لأنَّه ترفع عليهم فلم يعترف بهم، والجواب إنَّ الَّذي كان بينه وبينهم قرابة من جهة النِّساء لم يهابوه بل انتسبوا إليه ولم يترفع السُّلطان عليهم بل اعترف بهم وقرَّبَهم وأحسن إليهم فأقاربه من جهة العصبة أولى بذلك. وقد تواتر ما كان عليه من صلَة الرَّحِم والدِّين التَّواضع، فكيف يُظَنُّ به التَّرفع على الاعتراف بأقاربه، وأيُّ قطع رحمٍ أعظم من هذا ؟ وكيف يُظَنُّ به أو بأحد من أهله ترفعاً على الانتماء الى آبائهم ؟ فلو علم القوم أنَّهم من الأكراد لم ينكروه هؤلاء سلاطين الرُّوم ولهم هذه المدَّة الطَّويلة في الملك ولم ينكروا أنَّهم من الأغُزيَّة وهم التُّركمان. وكذلك سلاطين العجم وغيرهم لم ينكروا نسبهم. ويحقِّق نفي هذا الاعتراض أنَّ جدَّنا نجم الدِّين أيُّوب جاء إلى الشَّام وأُعطي بعلبك. وتعيَّن في الدَّولة النَّوريَّة وقَـْبـلَها. ولا نعلم أنَّ أحداً من الأكرادِ انتمى إليه بنسب. وكانت حاله حينئذ تُوفّر الدَّواعي على الانتماء إليه والاستسعاد بقربه. ولم يكن إذ ذاك مانع من ذلك. فإنَّ حاله في ذلك الوقت كان مثل حال أبي الهيجاء، والمشطوب في الدَّولة الصَّلاحيَّة. وممَّا يؤكِّد لنا إنَّا لسنا بأكراد أنَّ القاضي بهاء الدِّين بن شداد وعماد الدِّين الكاتب الأصفهاني – رحمهما االله – كانا من المختصين بالسُّلطان الملك النَّاصر، وكان لعماد الدِّين تَـقدُّمُ معرفٍة بنجم الدِّين أيُّوب من حين كان والياً بتكريت. وقد صنَّف المذكوران واعتَـنَيا بالسِّيرة الصَّلاحيَّة ولم يتعرَّضا إلى إلحاقه بالأكراد. ولو كان نجم الدِّين منتمياً إليهم لم يخفَ ذلك عليهما).

وأورد ابن الأثير في تاريخه أنَّ أيُّوب بن شاذي بن مروان يرجع إلى الأكراد الرَّواديَّة وهم فخذ من الهذبانيَّة،  ويذكر أحمد بن خلكان ( قال لي رجل فقيه عارف بما يقول، وهو من أهل دوين، إنَّ على باب دوين قرية يُقال لها “أجدانقان” وجميع أهلها أكراد رواديَّة، وكان شاذي قد أخذ ولديه أسد الدِّين شركوه ونجم الدِّين أيُّوب وخرج بهما إلى بغداد ومن هناك نزلوا تكريت، ومات شاذي بها وعلى قبره قبة داخل البلد ) بينما يرفض بعض ملوك الأيُّوبيِّين هذا النَّسب وقالوا (إنَّما نحن عرب، نزلنا عند الأكراد وتزوجنا منهم ) واختلف الأيُّوبيُّون في نسبهم فالملك المعز إسماعيل الأيُّوبيُّ صاحب اليمن أرجع نسب بني أيُّوب إلى بني أميَّة، وإنَّ نسبهم يرجع إلى أيُّوب ابن شادي ويرجعه إلى مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، وحين بلغ ذلك الملك العادل سيف الدِّين أبي بكر بن أيُّوب قال: “كذب إسماعيل ما نحن من بني أميَّة أصلاً “، أمَّا الأيُّوبيُّون ملوك دمشق فقد أثبتوا نسبهم إلى بني مُرَّة بن عوف من بطون غطفان وقد أحضر هذا النَّسب على المعظم عيسى بن أحمــد صـاحب دمشـــق وأســــمعه ابنــــه المــــلك النَّـــاصر صــلاح الـــدِّين داود.

كان دور صلاح الدِّين في إتمام الوحدة الإسلاميَّة الَّتي بدأها عماد الدِّين الزِّنكيُّ واتَّحدت مصر مع بلاد الشَّام وإقليم الجزيرة وحقَّق هذا الأمر نتائج وكان منها قيام معركة حطين وانتصار المسلمين على الصَّليبيِّين واستعادة بيت المقدس عام (583ه / 1187م )[12].

وفي أواخر العهد السَّلجوقيِّ ضعف السَّلاجقة ودخل المغول إلى العالم الإسلاميِّ وأسقطوا دولة الخلافة العبَّاسيَّة والَّتي كان آخر خلفائها المستعصم بالله الَّذي سلَّم نفسه للزعيم المغوليِّ دون قيد أوشرط عام (656هـ /1258م ) وبسقوط تلك الخلافة خسر العرب السِّيادة المطلقة ورجَّحت كفة العناصر غير العربيَّة خاصَّة المماليك والأتراك العثمانيِّين الَّذين حمــلوا رايـــة الخـــلافة الإسلاميَّة وظـــلُّوا يتوارثونـها حتَّى عـــام 1924م حيـــن انـهى كمـال أتـاتورك دور الخــلافة [13].

                     

     

[1]-  تاريخ الدَّولة العبَّاسيَّة: قوطرش ص32 .

[2]-  تاريخ السلاجقة في بلاد الشام: لقوطرش: ص 48″.

[3]- الدولة الحمدانية   د. احمد عدوان ص 73.

[4]- الجزيرة السُّوريَّة إسكندر داوود ص 28 .

[5]- “ابن الاثير ج 8 ص 174/تاريخ السلاجقة في بلاد الشام لقوطرش   ص61”.

[6]- تاريخ السَّلاجقة في بلاد الشَّام ص13 قوطرش.

[7]- المرجع السَّابق ص13.

[8]- المرجع السَّابق ص27 .

[9]- تاريخ الدولة العبَّاسيَّة ص240.

[10]- في كتابه “تاريخ السَّلاجقة في بلاد الشَّام” ص196.

[11]-  ” النَّبيُّ والأكراد “ص190

[12]- (تاريخ الزِّنكيين في الموصل وبلاد الشَّام وتاريخ الأيُّوبيِّين في مصر وبلاد الشَّام وإقليم الجزيرة  للدكتور محمد سهيل طقوش ).

[13]- ( تاريخ الدَّولة العبَّاسيَّة للدكتور محمد سهيل طقوش ص 258)

 

 

المعلومات مأخوذة من كتاب الجزيرة السورية بين الحقيقة والوهم 

لمحة عن الكاتب:

 

ياسر ياسين العمر

سورية – مدينة دير الزور – تولد عام 1960

حاصل على إجازة في الحقوق من جامعة دمشق عام 1978

الانتساب الى نقابة المحامين فرع دير الزور عام 1989

شغل منصب امين سر نقابة المحامين بديرالزور وترك هذا المنصب 2012

اتبع دورات عديدة في التحكيم

وحصل على شهادات تثبت اتباعه لتلك الدورات من غرفة التحكيم العربية وغرفة باريس .

-محكم لدى المركز الدولي للتوفيق والتحكيم والخبرة بسورية

-محاضرا سابقا في برنامج الأمم المتحدة للمنح الصغيرة

-متبع دوره في إدارة المجتمعات الاهلية

– عضو في اتحاد المؤرخين العالمي

– عضو في هيئة القانونيين السوريين

شاهد أيضاً

الجَزِيرَةُ السُّورِيَّهُ فِي عَصِرْ الدَّوْلَةِ الأُمَوِيَّهِ

تأسَّست الخلافة الأمويَّة عند تنازل الحسن بن علي لمعاوية بن أبي سفيان عن الخلافة عام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *