الرئيسية / Uncategorized / حزن دير الزور قديماً.. معادة وخرمة السليمان

حزن دير الزور قديماً.. معادة وخرمة السليمان

 

حزن دير الزور قديماً.. معادة وخرمة السليمان

 

للحزن في دير الزور طقس لايستطيع أي طقس مضاهاته مهما كان عزيزاً وغالياً ولاسيما الزواج أو الولادة.. فقد كانت مجالس العزاء التي تنصب حزناً على رحيل عزيز تمتد من 3 إلى 7 وقد تصل إلى 40 يوماً.. وتتبع أو ترافق أيام العزاء طقوس وعادات كانت تتجلى في لبس النساء للأسود.. وعدم التزين أو التجميل كالحناء وغيرها من أدوات التجميل قديماً..، وكان التلفاز مصدر التسلية الوحيد في تلك الأيام.. وفي أيام العزاء يمنع تشغيله أو التفرج عليه..

أما العيد.. فقد كانت تسبقه عشرة أيام من الحزن المتجدد في أول عيد بعد وفاة الميت العزيز.. فتفتح النساء مجلس عزاء جديد تحت مسمّى (عشرة العيد) وتبقى النساء بانتظار فجر العيد للتوجه إلى المقبرة.. وشد المعادة حول القبر،  ولم يتوقف الأمر عند ذلك فحتى الفرح بالعيد يعتبر محرّما ويجب على أهل المتوفى ألا يظهرون أي وجه من وجوه الفرح ولاسيما صنع حلويات العيد (الكليجة) وذلك لأنها تعتبر طقساً من طقوس الاحتفال.

المعادة:

وتبدأ المعادة عند اجتماع النسوة والرجال من أقارب المتوفى وتبدأ بعد أن تقصَّ النساء من قريبات الميت شعورهن وتلبسن السواد والصراخ الذي يعدُّ بمثابة إعلان الوفاة وتجتمع لأجله النسوة القريبات وسرعان ما (يطش) الخبر في المدينة أو القرية مع انعدام وسائل التواصل عن طريق النقل الكلامي من فلان إلى فلان إلى فلانة.

أما المعادة فهي عبارة عن مجموعة من النسوة المتشحات بالسواد يشتركن في الندب واللطم حزناً على الميت وذلك بالاجتماع في حلقة تتوسطها امرأتان ترقصان رقصاً خاصاً بشكل متعاكس وأحياناً رجل وامرأة قد يحملان السيوف، ويمكن أن يستخدم في المعادة الطبل أو الدف مع قصيد تقوله إحدى النساء ويرددن خلفها وهذه المرأة تسمى “القاصودة” وطبعاً تقوم “المعادة” ويكون الميت ما يزال مسجى في فراشه، وتتسع الحلقة بحسب قدر الميت و سيطه في المدينة ومكانته الاجتماعية.

لتنطلق بعد ذلك الجنازة التي يحمل فيها الرجال الميت على خشبة مقوسة باتجاه المقبرة وذلك مع انعدام وسائل النقل.. وذلك رغم بعد القبور عن منازل أهالي الموتى في دير العتيق، وتسير النساء خلفها حاسرات الرؤوس مولولات وبعد الدفن يتجدد طقس “المعادة” وتبقى النسوة والرجال بعد ذلك قرب القبر ما تبقى من النهار ويدوم هذا الوضع من أسبوع إلى ثلاثة أسابيع ويكون طعامهن في هذه الأيام من الخبز واللحم المرسل إليهن من المعارف ويسمي أهل الدير هذا الطعام “غرْفاً”».

 

القاصودة:

يجب أن تتمتع القاصودة بعدة صفات أهم علو وحزن الصوت والقدرة على تلوين صوتها بحيث تبكي الآخرين بحزن كلامها ونبرة صوتها، مايثير الحزن في نفوس الأقرباء من المتوفى، ولايشترط أن تبكي “القاصودة” نهائياً فمن واجبها أن “تُبكي” لا أن “تَبكي”، وتستذكر كل امرأة خلال المعادة عزيزاً فقدته فتبكي بكاء شديداً وتذكر النسوة الأخريات به، فيزداد النحيب والعويل والصراخ.

شاعرة حزن الفرات.. خرمة السليمان

من أشهر “قاصودات” دير الزور ( خرمة الحسين) التي كانت تستدعى إلى معظم بيوت العزاء الكبيرة وذلك لما عرفت عنه من شاعريتها التي تستخرج الحزن الدفين من قلوب أقرباء الموتى.

ولدت الشاعرة الشعبية “خرمة بنت سليمان الحمد” في عام 1800م في أحد أزقة “الدير العتيق” وكان التعليم في تلك الأيام مقتصراً على علوم القرآن الكريم وبعض مبادئ الرياضيات، ويتم تلقي العلم في الكتاتيب ما جعله حكراً على الميسورين.

كانت كفيفة البصر وهي عاهة لم تولد معها إلا أن رمداً أصابها وتمت معالجته بطريقة فيها من الجهل ما أفقد الشاعرة بصرها وترك ندبة في داخلها مدى الحياة، ويروى أن العلاج كان بنصيحة سيدة كارهة لها يشاع أنها ضرتها.

 

ولشعر “النعي” الذي تقوله “خرمة” طقس خاص يسمى “المعادة” حيث تشكل النساء فيه دائرة يندبن فيها وينحن وتقف “القاصودة” في المنتصف لتردد شعر النعي الذي يهيج مشاعر الحزن وتحمل في الغالب دفاً معلقاً برقبتها يدق عليه إلا أن المعادة وما رافقها من طقوس اختفت منذ أكثر من نصف قرن.

 

وقد لاقى شعر “خرمة” رواجاً كبيراً بين الناس إلا أن الاهتمام الحقيقي بسيرتها الذاتية لم تلقه الشاعرة إلا من الباحث المرحوم “أحمد شوحان” الذي يعد كتابه حول شعرها وسيرتها الذاتية أهم مرجع لمن أراد أن يعرف عنها.

 

ومن الجدير بالذكر أن شهرة “خرمة” كانت تدفع علية القوم من خارج “دير الزور” إلى إحضارها إلى مآتمهم بغية رثاء موتاهم ومن ذلك استدعائها لرثاء “تركي بن مهيد” حيث جاءت مجموعة من أهالي عشيرة “العنزة” عند وفاة “تركي بن مهيد” أحد شيوخها بغية اصطحاب “خرمة” معهم لترثيه بما يستحق فقالت:

 

“سيوف الماحمت “تركي”
مناجل سوس سووها

 

رماح الماحمت “تركي”
جوا الجدر وزوها

 

رجال الماحمت “تركي”
مع النسوان اجعدوها”

 

ما قالته “خرمة” كان كفيلاً بإثارة رجال القبيلة الذين هب بعضهم للأخذ بالثأر لولا تدخل أحد الشيوخ الذي أوقف “خرمة” عن المتابعة وهدأ الأمور.

 

وحول الأشخاص الذي رثتهم “خرمة” وبعض مما تناقله الناس من شعرها الذي لا يزال حياً رغم اندثار “المعادة” فقد رثت “خرمة” نفسها كما رثت أخاها وأباها وابن أخيها وبعض أبناء المدينة الذين كانت تدعى لعزائهم، ولكن أكثر شعرها كان في رثاء ابنها “رزوق” الذي توفي شاباً فظلت ترثيه حتى بعد أن تجاوزت مئة عام:

 

“حلو رزوق لو جاني يتمشى
شك بحزامو ساعة وممشه

يا يما شجا على عينو وتغشى
على الروحو عزيزة ينام بالتربان

 

ولها قصيدة أخرى في رثاء ولدها “رزوق”، تقول في مقدمتها:

 

“شوشحن بردانجن يامسعدات
التجينا لاتكول الحلو مات

وش علقوا عالخيل من حنطة وشعير
وموردين الخيل من مي الغدير

وش علقوا عالخيل من حنطة وذرة
وموردين الخيل من مي الفرا

ياحيف يا رزوق متوسد البلا
ياحزن قلبي والأوادم عاديات”

 

وتناشد “خرمة” باب الدار والصائغ في رثاء الأحبة بالقول:

 

“يا باب الحوش لا تغبر دلافيهم
وصدر البيت علكنا حساويهم

أنا لاعاتب الصايغ وأكللو:
يصايغ ليش ما تفضض رداينهم

وحينما توفي أبناء أخيها قالت:

“يا سباع الغربت عالزيزفون
يا بنات ميتمة أيمت تجون

يا سباع غربت وأحجي يثرها
يا ويلاد ميتمة وتريد أهلها”.

شاهد أيضاً

“الحاح”.. متعة ورياضة وإثارة 

“الحاح”: لعبة للأولاد من سن الخامسة ولا يوجد حد لأعلى سن لها، إذ كان رجال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *